الشيخ باقر شريف القرشي
95
حياة الإمام زين العابدين ( ع )
به ، فقد اعلن عليه السلام فقره وحاجته الملحة إلى عفو اللّه ولطفه ، فهو يطلب منه أن لا يحرمه من فيضه وكرمه ، وأن لا يقطع رجاءه بمنعه فيكون بذلك قد شقي بعد سعادته بمعرفته ، وقد أبدى عليه السلام من التذلل والتضرع أمام الخالق العظيم ما جعله من سادات المتقين والمنيبين إلى الله تعالى . 2 - انقطاعه إلى اللّه : وانقطع الإمام عليه السلام إلى اللّه انقطاعا كاملا ، وقد آمن إيمانا لا يخامره شك أن مصادر النفع والقوة إنما هي بيد اللّه تعالى وحده ، وان الالتجاء إلى غيره إنما هو التجاء إلى ما لا يملك نفعا ولا ضرا ، ولنستمع إلى دعائه في ذلك : « اللهم إني أخلصت بانقطاعي إليك ، وأقبلت بكلي عليك ، وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك ، وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك ، ورأيت أن طلب المحتاج إلى المحتاج سفه من رأيه ، وضلة من عقله ، فكم قد رأيت يا إلهي من أناس طلبوا العز بغيرك فذلوا ، وراموا الثروة من سواك فافتقروا ، وحاولوا الارتفاع فاتضعوا ، فصح بمعاينة أمثالهم حازم ، وفقه اعتباره ، وأرشده إلى طريق صوابه اختياره ، فأنت يا مولاي دون كل مسؤول موضع مسألتي ، ودون كل مطلوب إليه ولي حاجتي ، أنت المخصوص قبل كل مدعو بدعوتي ، لا يشركك أحد في رجائي ، ولا يتفق أحد معك في دعائي ، ولا ينظمه وإياك ندائي ، لك يا إلهي وحدانية العدد ، وملكة القدرة الصمد ، وفضيلة الحول والقوة ، ودرجة العلو والرفعة ، ومن سواك مرحوم في عمره ، مغلوب على أمره ، مقهور على شأنه ، مختلف الحالات ، متنقل في الصفات ، فتعاليت عن الأشباه والأضداد ، وتكبرت عن الأمثال والأنداد ، فسبحانك لا إله إلا أنت . . . » « 1 » . ويلمس في هذه اللوحة الذهبية مدى انقطاع الإمام إلى اللّه فقد أقبل بمشاعره وعواطفه نحوه تعالى ، وصرف وجهه وقلبه عن غيره من المخلوقين
--> ( 1 ) الصحيفة السجادية : الدعاء السابع والعشرون .